الشيخ عبد الله البحراني
792
العوالم ، السيدة الزهراء ( س )
فاسمع الآن ما شاهدت منها عليها السّلام . اعلم أنّه لمّا قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم افتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وقلّ العزاء ، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ولم تلق إلّا كلّ باك وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء والأحباب أشدّ حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء عليها السّلام ، وكان حزنها يتجدّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدّ . فجلست سبعة أيّام لا يهدأ لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، كلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت ، فكأنّها من فم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد « 1 » والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء الناس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء ، وخيّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ؛ وهي عليها السّلام تنادي وتندب أباها : وأبتاه ، وا صفيّاه ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، وا ربيع الأرامل واليتامى ، من للقبلة والمصلّى ؟ ومن لابنتك الوالهة الثكلى ؟ ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها ، ومن تواتر دمعتها حتّى دنت من قبر أبيها محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة ، فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوان إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت ، فلمّا أفاقت من غشيتها ، قامت وهي تقول : رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي . يا أبتاه ، بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري وتنغّص عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه ، بعدك أنيسا لوحشتي ، ولا رادّا لدمعتي ولا معينا لضعفي ، فقد فنى بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحلّ ميكائيل .
--> ( 1 ) الولائد : جمع الوليدة .